اطلالة نقدية للشاعر الناقد السيد طه
إطلالة عابرة على نص رائع للمبدع علي المحمودي ..
كباريه فولتير ..
*********************""****
سأصنع وجهاً لشكسبيرَ
من قصاصات القصائد
ذات الطابع العربى
ومن بقايا أشعارِ قيس
أصنع فستاناً لعروستى
أسافر فوق مفرشها القديم
نحو نافذةٍ إلى بلدة المحبوب
أسأل عن ليلى العامرية
عن إمرأةٍ هى جوليت
فى ثوبها الشرقى
المتخم بالتفاصيل الكثيرة
لكى تنام عطور باريس
فى قارورة العربى
تلبس تيجان الملوك
في مخيلتى
في مجلسٍ ملكي
مابين جوليت وليلى
تغني سلامة القس
على وقع أنغام الجيتار
بصوتها البدوى
أغنية الحب القديم
السرمدي
أفتش في خزائن العشق
عن رسائل منعت
بسيف المنطق العدمي
ممنوعة من البوح
فهل ليلى قرأت لقيس
بقايا فنجان قهوته
لتخبره ولو سراً
من خلف ستائر التأويل
بحبها السري
أنا العربي نافذتي
فرجة في خيمة حبست
في المدى الممتد
في صحراء مشهدها
ممنوعة ليلى حتى البراءة
في نومها القدري ..
سأستعير مشهداً لشكسبير
وفستاناً لجوليت
ليعيد تمثيل مشهد الشرفة
قيس وليلى فوق
صحراء اليمامة
والمجاميع تملأ المسرح
ليموت قيس
لا بالسم ولكن يموت
بسيفٍ جاهلى ...!!
*****************************
نص يمزج الواقع بالخيال ويستدعي شواهد التاريخ من كل زمان ومكان من منطلق اشتراك كل تلك الشواهد في إنشاء فكر وثقافة ورؤية مبدع النص الذي وَحَّدَ الحضارتين العربية والأوروبية ووظفهما لخدمة فكرته التي جاءت خارج نطاق المتعارف عليه من خلال ماتحمله كل حضارة من رموز وشخوص استدعاها وألقاها في بوتقة خياله وبراح فكره . ليصنع لنا نموذجا أدبيا وسياقاً سردياً مخالفاً لفكرة ذاتية . وتفرد كل حضارة بثقافتها مؤكداً على وحدة الفن والإبداع الفطري الإنساني مهما اختلفت أزمانه وتباينت بيئاته مدافعاً عن مأسأة قصة الحب العربية الخالدة لقيس وليلى التي وأدتها العادات والتقاليد الجاهلية ..
"سأصنع وجهاً لشكسبير/ من قصاصات القصائد/ ذات الطابع العربي/ ومن بقايا أشعار قيس/ أصنع فستاناً لعروستي/ أسافر فوق مفرشها القديم/نحو نافذة إلى بلد المحبوب/ أسأل عن ليلى العامرية/ عن امرأة هي جولييت/ في ثوبها الشرقي/ المتخم بالتفاصيل الكثيرة/ لكي تنام عطور باريس/ في قارورة العربي" ..
أي جمال هذا وأي فكر الذي تدور في فلكه تلك الرؤية المخالفة والمغايرة . ولماذا شكسبير .؟! لأنه صاحب أسطورة الحب الخالدة في التراث الغربي "روميو وجولييت" المعادل الأسطوري في أدبنا ووجداننا العربي لأسطورة "قيس وليلى" استدعاء لاتكلف فيه ولا نشاز بل تستطيع أن تقول هو عزف منفرد خارج السرب لا يلبث هذا العزف أن يتماهى ويتوحد حتى يستحيل كائناً جديداً يحمل بصمة مبدعه وجيناته الخلاقة يخص أسطورة ثالثة بعيداً عن روميو و قيس وليلى وجولييت ليبدأ سيمفونيته الجديدة متعاملاً معها من هذا المنطلق والمسمى الجديد ..!!
"سأستعير مشهداً لشكسبير/ وفستاناً لجولييت/ ليعيد تمثيل مشهد الشرفة/ قيس وليلى فوق صحراء اليمامة/ والمجاميع تملأ المسرح/ ليموت قيس/ لا بالسم ولكن يموت/ بسيف جاهلي" ...
أسطورة روميو وجولييت المأساوية التراجيدية تنتهي بتناول روميو للسم اعتقاداً منه أن حبيبته جولييت ماتت فيقرر أن يموت بجوارها ولكنها كانت قد تناولت مشروباً خاصاً أعده لها راهب الكنيسة لتبدو ميتة يومين متتاليين حتى لاتتزوج من "باريس" أحد أفراد عائلتها ولم يكن روميو قد علم بعدُ بما فعله الراهب حتى يتزوج روميو من جولييت لتعاطفه معهما ولذلك اعتقد روميو أن جولييت ماتت لذلك تناول السم ومات . بعدها مباشرة كانت مفعول الشراب قد انتهى لتستيقظ جولييت من موتها المؤقت وتجد روميو ميتاً بجوارها فتقرر هي ألأخرى أن تموت فتتناول خنجر روميو وتقتل به نفسها ليموت الحبيبين دون أن يجمعهما بيتٌ واحد وكل ذلك بسبب الخلافات التي كانت بين عائلتيهما ...
لذلك استدعى "علي المحمود" هذا المشهد المأساوي من الأسطورة الشكسبيرية ليطرحه على النموذج العربي المتمثل في قيس وليلى اللذين لم يكتب لهما أيضاً الاقتران والزواج وإتمام قصة عشقهما بالحياة تحت سقف واحد . يستعير المحمود المشهد ولكن على الطريقة العربية في جغرافيتها الصحراوية ليموت قيس على مسرح الصحراء كما مات روميو في مشهد الشرفة مع استدعاء آلة الموت التي تناسب قيس الذي اختار له المحمود أن يموت بسيف الجاهلية الذي فرق بينه وبين ليلى وليس بالسم كما مات روميو ...
لغة النص لغة انزياحية سهلة وعميقة وإشارية ورمزية وممزوجة بالتوحد بين النموذجين الغربي والشرقي استطاع المحمود أن يصيغ منهما نصاً فارقاً في طرافة فكرته كما استطاع باقتدار أن يوظف احداث ومفردات الأسطورتين ويوائم بينهما حتى يوظفهما التوظيف الإبداعي الذي كان ينشده ....
في النهاية لا يسعني إلا أن أرفع قبعة التقدير والاحترام لمبدعنا الرائع ...


تعليقات
إرسال تعليق